سهيلة عبد الباعث الترجمان
181
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بزائد على ذاته وتتصف ذاته بالنقص إذا لم يقم به هذا الزائد . فهذا من الاستقراء ، وهذا الذي دعا المتكلمين أن يقولوا في صفات الحق لا هي هو ولا هي غيره ، وفيما ذكرناه ضرب من الاستقراء الذي لا يليق بالجناب العالي . ثم أنه لما استشعر القائلون بالزائد سلكوا في العبارة عن ذلك مسلكا آخر فقالوا ما عقلناه بالاستقراء وإنما قلنا أعطى الدليل إنه لا يكون عالم إلّا من قام به العلم ، ولا بد أن يكون أمرا زائدا على ذات العالم لأنه من صفات المعاني يقدر رفعه مع بناء الذات ، فلما أعطى الدليل ذلك طردناه شاهدا وغائبا يعني في الحق والخلق ، وهذا هروب منهم وعدول عن عين الصواب ، ثم إنّهم أكدوا ذلك بقولهم ما ذكرناه عنهم أن صفاته لا هي هو ولا هي غيره . . . وإذا سألتهم هل هي أمر زائد ، اعترفوا بأنها أمر زائد وهذا هو عين الاستقراء . فلهذا قلنا إن الاستقراء في العلم باللّه لا يصح . . . " « 1 » . وقد أوضح ابن عربي نواحي الخلاف بينه وبين الأشاعرة في عدة مسائل منها ما يتعلق بفعل العبد ونفيه بقوله : " لو صح الفعل من الممكن لصح أن يكون قادرا ولا فعل له ، فلا قدرة له ، فإثبات القدرة للممكن دعوى بلا برهان ، وكلامنا في هذا الفصل مع الأشاعرة المثبتين لها مع نفي الفعل عنها " « 2 » . وفي وصفهم للحق بالقدرة على الإيجاد لاتصافه بذلك قوله : " لا يصدر عن الواحد من كل وجه إلّا واحد ، وهل ثمّ من هو على هذا الوصف أم لا ، في ذلك نظر للمنصف ، ألا ترى الأشاعرة ما جعلوا الإيجاد للحق إلّا من كونه قادرا ، والاختصاص من كونه مريدا ، والأحكام من كونه عالما ، وكون الشيء مريدا ما هو عين كونه قادرا ، فليس قولهم بعد هذا أنه واحد من كل وجه ، صحيحا في التعلق العام ، وكيف وهم مثبتو الصفات زائدة على الذات قائمة به تعالى ، وهكذا القائلون بالنسب والإضافات ، وكل فرقة من الفرق ما تخلصت لهم الوحدة من جميع الوجوه ، إلّا أنهم بين ملزم من مذهبه القول بعدمها وبين قائل بها ، فإثبات الوحدانية إنما ذلك في الألوهية أي لا إله إلّا هو وذلك صحيح مدلول عليه " « 3 » .
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 284 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 42 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 42 .